في إطار متابعتنا المستمرة والراصدة لأحدث المستجدات التي تهم القارئ العربي، وتغطيةً لأبرز التحولات والتقارير الحصرية؛ نسلط الضوء اليوم على حدثٍ بارز وتطورات جديدة نقلها موقع “نتغير”، والتي حظيت باهتمام واسع تفاعل معه الكثير من المتابعين والمهتمين بهذا الشأن…
تعتبر الكاتبة والشاعرة المغربية نهى الخطيب نموذجاً بارزاً للتقارب الثقافي والفكري بين المشرق والمغرب العربي؛ فهي جغرافياً ابنة مدينة “أصيلة” الساحلية التي تجمع بين عراقة التاريخ وحداثة الإبداع، وتاريخياً امتداد لإرث أدبي وإنساني بدأ مع روايات “همينغواي العرب” حنا مينه وقصائد شاعر القرن العشرين نزار قباني. في هذا الحوار الشيق، تكشف لنا نهى الخطيب عن تفاصيل علاقتها الاستثنائية بمسقط رأسها، وتأثير هذه المدينة الساحلية على وعيها الأدبي والإنساني، معتبرة أن ما يربطها بأصيلة هو عقد روحي غير مكتوب يتجاوز حدود الجغرافيا المادية إلى آفاق الروح والكتابة الإبداعية التي تصيغ الهوية الثقافية للمنطقة.
أصيلة في وجدان نهى الخطيب: مدرسة مفتوحة على الإبداع والجمال
تتحدث الكاتبة عن الأثر العميق الذي تتركه مدينة أصيلة في وعي ساكنيها والمولودين بها. فالوعي الجمالي لدى “الزيلاشيين” منذ نعومة أظافرهم ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مأسسة الثقافة التي جعلت من المدينة مدرسة مفتوحة، وشرعت الأبواب على مصراعيها للتطبيع مع الإبداع باعتباره أداة لفهم الذات والتعبير عن الانتماء وبناء الشخصية.
وتوضح الكاتبة كيف يسهم الانخراط المبكر للأطفال في الفعل الفني – ليس فقط بالتلقي بل بوصفهم أعضاء فاعلين في حماية جمالية المدينة عن طريق الجداريات ومشاغل التكوين المستمر – في خلق وعي نقدي وذاتي لديهم. إن أصيلة، بطبيعتها الساحلية وانفتاحها البحري وبنيتها العمرانية التي تعود للقرن الخامس عشر وتاريخها الغني الممتد لأكثر من ألفي عام، تفرض إيقاعاً متأملاً يربط بين سحر البحر وعراقة الجدران، مما يتيح فضاءً رحباً للمكاشفة مع الذات.
موسم أصيلة الثقافي: تاريخ من الريادة وجسر للتواصل العالمي
تأسس منتدى أصيلة الثقافي الدولي (موسم أصيلة الثقافي) في أواخر السبعينيات، وتحديداً في عام 1978 بمبادرة من رائد العمل الثقافي محمد بن عيسى والتشكيلي الراحل محمد مليحي. وقد تحول هذا الحدث بمرور العقود من مبادرة محلية تهدف إلى تأهيل المدينة بيئياً وجمالياً وانتشالها من التهميش، إلى تظاهرة ثقافية وفنية ذات صدى دولي واسع تضع المغرب في قلب الخارطة الثقافية العالمية.
هذا الحدث السنوي لا يقتصر تأثيره على الجانب المحلي فحسب، بل يمتد إقليمياً ودولياً ليصبح جسراً للتلاقح الفكري والحوار الحضاري بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب. وتستقطب المدينة كل عام نخبة من المفكرين، الأدباء، والسياسيين، والفنانين التشكيليين من مختلف بقاع العالم، مما يعزز مكانة المغرب كمركز إشعاع ثقافي رائد، ويمنح المبدعين المحليين فرصة الاحتكاك المباشر بالرموز العالمية وتطوير ملكاتهم التعبيرية والنقدية. وتؤكد الكاتبة أن الماء في أصيلة يمثل جسراً لتبادل المعرفة والأفكار، تماماً كما كانت البحار والأنهار قديماً الوسيلة الأسرع لنقل الثقافات وأنماط العيش المشترك بين الضفاف، مما يجعل من الموسم السنوي منصة حيوية لتعزيز الدبلوماسية الثقافية الموازية.
التكامل بين القانون وعلم الاجتماع في الحرفة الأدبية
درست الضيفة القانون وتخصصت في علم الاجتماع، وعملت في مجال التدريس والصحافة. وترى أن هناك تكاملاً وثيقاً بين هذه الحقول؛ فالأدب يعنى باللغة كأداة للتعبير وتفكيك العواطف، بينما يعنى القانون باللغة كبناء للنظم وضبط العلاقات وصياغة العدالة. وربما كان اللاوعي لديها يرى أن القانون هو “أدب محكم” الكلمة فيه فعل يلزم ويغير واقع الناس.
أما دراسة علم الاجتماع، فقد منحت حرفتها الأدبية بعداً أعمق من خلال ما يسميه عالم الاجتماع “سي رايت ميلز” بالخيال السوسيولوجي، وهو القدرة على ربط المشكلات الشخصية بالقضايا العامة. هذا الترابط جعل نصوصها الشعرية والنثرية تلامس وجدان القارئ بشكل أعمق، لأنها تتحدث بلسان حال المجموع لا الفرد فقط، وتجعل من النص الأدبي منتجاً اجتماعياً يتأثر بالذائقة العامة والسياق المجتمعي.
من النقد إلى الدواوين الشعرية: مسيرة البحث عن البصمة الخاصة
أصدرت الكاتبة مجموعتها الأولى “امرأة من زيزفون” عام 2019، تلتها مجموعة “عيون القلب” عام 2020. ورغم إشادة النقاد بهما، إلا أنها تنظر إليهما اليوم بعين الناقد القاسي، معتبرة أن غزارة المؤلفات ليست مقياساً للإبداع، بل الأهم هو اكتمال الصوت الخاص والبصمة الأدبية الفريدة التي تميز الشاعر عن غيره.
وتؤكد أن البدء بالعمل النقدي ساعدها على غربلة الأفكار وتجنب الكليشيهات قبل صياغة النصوص الإبداعية، مشيرة إلى أن تجربتها الصحفية علمتها الانضباط والمهنية والتحرر من القداسة وتوسيع دائرة اهتماماتها دون المساس بشاعريتها. كما ترى في الوظيفة العمومية والتدريس مصدر إلهام وامتداداً لدور المثقف التنويري في تشكيل الوعي المجتمعي.
جدلية المشرق والمغرب وتأثيرها على المشهد الثقافي العربي
في قراءتها للعلاقة بين المثقف المغربي ونظيره المشرقي، ترى الكاتبة أن هذه العلاقة انتقلت من ثنائية “المركز والهامش” التقليدية إلى مرحلة ناضجة من التفاعل والندية المبنية على الاحترام المتبادل. فبينما انفتح المشرق تاريخياً على المدارس الكلاسيكية والواقعية، ركز المغرب مبكراً على المنهجيات البنيوية والتفكيكية الفرنسية، مما خلق تفوقاً منهجياً مغربياً في تقديم قراءات نقدية علمية للتراث والنصوص.
واليوم، يتكامل العقل النقدي المغربي مع الإيقاع الوجداني المشرقي ليشكلا معاً فضاءً إبداعياً عربياً مشتركاً يتجاوز الحدود والأسوار. وفي هذا السياق، تبدي الكاتبة اهتماماً كبيراً بالمنجز الثقافي السعودي المعاصر الذي يعيش مرحلة ازدهار كبرى، مشيدة بكتابات الروائية رجاء عالم التي نقلت الأدب السعودي إلى العالمية، والكاتب سلطان الموسى الذي يركز على الطرح الجدلي والحوار الحضاري.
وللاطلاع على التغطية الشاملة والوقوف على كافة التفاصيل والأبعاد المتعلقة بهذا الموضوع، يمكنكم الانتقال مباشرة ومتابعة القراءة من المصدر الأساسي:
اكتشاف المزيد من صحيفة المسك
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
